لماذا تنظر إسرائيل إلى تركيا باعتبارها "إيران الجديدة"؟، هذا التساؤل طرحه موقع "الحرة" في ظل تمدد الدور التركي في الشرق الأوسط، خصوصًا مع إضعاف إيران وأذرعها في الحرب الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما يشكّل قلقًا جديدًا لإسرائيل.

 

وأبرز في هذا الإطار تصريحات رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق، نافتالي بينيت، عندما حذر في تصريحات تعود إلى شهر فبراير الماضي من أن "تركيا هي إيران الجديدة"، مبينًا أن "تركيا اكتسبت مع قطر نفوذًا في سوريا، وتسعيان لامتلاك النفوذ في أماكن أخرى وفي كل مكان في المنطقة"، ووصف الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان بأنه "داهية وخطير، ويسعى لتطويق إسرائيل".

 

تنافس استراتيجي

 

من جهته، قال سونر كاغابتاي، الباحث المتخصص في الشؤون التركية في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، إن تركيا وإسرائيل في حالة تنافس استراتيجي، لافنًا إلى أنه في سوريا، ترى أنقرة أن إسرائيل تهدد مصالحها الجوهرية من خلال علاقتها مع الدروز وقوات سوريا الديمقراطية، وهي الجهود التي تبدو وكأنها تعرقل مركزية الدولة السورية.

 

في المقابل، قال كاغابتاي، إن إسرائيل ترى أن أنقرة، عبر دعمها لحركة حماس التي تعتبرها منظمة "إرهابية"، وبسبب موقف تركيا في غزة، تشكل جبهة تهدد أمنها القومي.

 

وهناك اصطفافات أكبر تتشكل في الشرق الأوسط، تتأثر بالتنافس التركي الإسرائيلي في شرق المتوسط، وقد تزيد من هذه الاصطفافات تداعيات الحرب الأميركية الإيرانية. 

 

لذا، يعتقد كاغابتاي أن هناك تحالفين يتشكلان في المنطقة، يمتدان من جنوب آسيا إلى شرق المتوسط، ويضم كل حلف: قوة نووية، ملكية خليجية ثرية، قوة من بلاد الشام، وقوة في شرق المتوسط. وبشكل محدد، هذه التحالفات هي: باكستان، السعودية، مصر، وتركيا من جهة، وإسرائيل والهند، الإمارات، واليونان من جهة أخرى.

 

وبحسب كاغابتاي، فإن المنطقة أصبحت تشمل لأول مرة شرق المتوسط وجنوب آسيا معًا. و"أعتقد أنه يمكن أيضُا إضافة القرن الأفريقي إلى هذا المشهد، حيث يظهر هذا التنافس الآن بوضوح في أماكن مثل الصومال، عندما تدعم تركيا وإسرائيل أطرافًا متصارعة".

 

وتابع: "لذا، أعتقد أننا بحاجة للاستعداد، ليس فقط للتنافس التركي الإسرائيلي، بل لظهور هذين التحالفين المكونين من أربع دول، حيث تجلب هذه الأطراف قدرات مختلفة لتحالفاتها".

 

ردع تقني

 

من جهته، لا يرى مؤسس معهد "جسور" للدراسات محمد سرميني ملامح هذا التوسع التركي من بوابة "الردع النووي" التقليدي الذي قد توفره علاقة أنقرة بإسلام آباد فقط، بل برأيه تعمل تركيا على تشكيل "ردع تقني" في مقابل إسرائيل، فرضته الصناعات الدفاعية التركية. 

 

وأشار إلى أنه بينما كانت إيران في حربها مع إسرائيل تعتمد على الإغراق الصاروخي للدفاعات الجوية الاسرائيلية، تدخل تركيا نادي الصواريخ الفرط صوتية عبر شركة "روكيتسان"، وهو سلاح يصفه سرميني بأنه "رادع جدًا لإسرائيل" بعد أن أثبتت هذه التقنية فاعليتها في حروب 2025.

 

واستبعد سرميني أن يكون هناك مجال لتوظيف السلاح النووي في أي مواجهة محتملة مع إسرائيل، لأن الأمر يخضع لاعتبارات سياسية معقدة، فروسيا رغم أنها تمتلك السلاح النووي، لم تستخدمه في المواجهة مع أوكرانيا. 

 

ومن الناحية التقنية، وصف سرميني، التصنيع الدفاع التركي بأنه متقدم، بخاصة في مجال تصنيع الطائرات المسيرة، "فقد حافظت شركة بايكار على صدارة الشركات المصدرة للطائرات المسيرة، كما أن تركيا لديها تحالف مع أوكرانيا ويمكن لها أن تطور تقنياتها من خلال كييف".

 

لكن القلق الإسرائيلي الحقيقي لا ينبع فقط من الصواريخ، بل من "دبلوماسية الطاقة" التي تتبعها أنقرة، كما يشرح سرميني، إذ نجحت تركيا في تفكيك "منتدى غاز شرق المتوسط" الذي صُمم خصيصاً لعزلها، واستطاعت تحييد مصر وجذبها نحو خيارات استراتيجية بعيدة عن "الابتزاز الإسرائيلي". 

 

ضرب الاقتصاد الإسرائيلي في مقتل

 

وفقًا لـ سرميني، فإن تحويل إسطنبول وسوريا إلى مراكز لتجميع وتصدير الغاز لأوروبا يضرب الاقتصاد الإسرائيلي في مقتل، ويجعل من مشروع "طريق التوابل" المرتكز على ميناء حيفا مجرد حلم متعثر أمام نفوذ تركيا في البحر الأحمر وتحالفاتها في السودان والصومال.

 

وبحسب سرميني، فقد وظفت تركيا دبلوماسيتها منذ سنوات في إحباط خطط إسرائيل الإقليمية، واستطاعت التأثير على إدارة ترامب فيما يبدو من أجل تأطير الحرب الحالية وعدم تدحرجها باتجاه تفكيك الدولة الإيرانية كما كانت ترغب إسرائيل، لأن تفكك إيران يضر بالأمن القومي التركي.

 

يحضر العامل الشخصي أيضًا في تسعير التنافس الاستراتيجي بين تركيا وإسرائيل، كما يلاحظ كاغابتاي، فكل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس أردوغان يكنّان كراهية سياسية شديدة لبعضهما البعض، مما يجعل من الصعب جدًا على تركيا وإسرائيل التوصل إلى لغة مشتركة هذه الأيام. 

 

ومع ذلك، يعتقد كاغابتاي أن هناك حلاً يكمن في امتلاك كلا القائدين علاقات جيدة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إذ يمكن له فرض حالة من "التهدئة" بين البلدين، "عبر إبلاغ تركيا بأن غزة تقع ضمن منطقة نفوذ إسرائيل، وإبلاغ إسرائيل بأن سوريا تقع ضمن منطقة نفوذ تركيا". وهذا قد يكون، برأي الباحث التركي-الأمريكي، "مخرجًا من هذا المأزق".